رؤية – محمد الأسيوطي
أصبحت العقود التجارية وحقوق الصورة والرعاية جزءًا أساسيًا من صناعة كرة القدم الحديثة، في ظل تنوع مصادر دخل الأندية واللاعبين وتشعب العلاقات بين الأندية والرعاة والشركات والجهات المرتبطة بها.
لكن وجود عقد تجاري في حد ذاته لا يمثل مخالفة، ولا يعني تلقائيًا وجود محاولة لإخفاء أجور اللاعبين أو التحايل على القواعد المالية.
السؤال الحقيقي الذي تطرحه اللوائح الحديثة هو: هل المعاملة التجارية حقيقية؟ وهل تعكس قيمتها الاقتصادية الفعلية؟ وهل توجد علاقة مستقلة وواضحة بين الأطراف؟
ما المقصود بالعقد التجاري؟
يمكن أن يرتبط العقد التجاري بحقوق الصورة، أو الإعلانات، أو الرعاية، أو الظهور الإعلامي، أو الترويج، أو استخدام اسم اللاعب وصورته، وغيرها من الأنشطة التسويقية.
وهذه الأنشطة مشروعة من حيث المبدأ، طالما أن هناك خدمة تجارية حقيقية ومقابلًا يتناسب مع طبيعة هذه الخدمة.
لكن المشكلة تظهر عندما تصبح طبيعة الاتفاق أو قيمته محل تساؤل، خصوصًا إذا كان هناك طرف ثالث يتحمل مبالغ مرتبطة اقتصاديًا بعلاقة اللاعب بالنادي.
ماذا تراقب اللوائح المالية؟
لا تكتفي الأنظمة المالية الحديثة باسم العقد أو الشكل القانوني للمعاملة، وإنما تهتم بالحقيقة الاقتصادية لها.
وتنظر الجهات الرقابية، بحسب القواعد المطبقة، إلى عدة عناصر، من بينها:
- طبيعة الخدمة المقدمة.
- القيمة المالية للعقد.
- القيمة السوقية العادلة للمعاملة.
- الأطراف المشاركة في الاتفاق.
- وجود علاقة بين الشركة والنادي أو مالكيه.
- مصدر الأموال.
- مدى استقلال عملية التفاوض.
- وما إذا كانت المعاملة تعكس نشاطًا تجاريًا حقيقيًا.
ولهذا فإن وجود شركة أو راعٍ أو عقد لحقوق الصورة لا يعني بمفرده وجود مخالفة.
متى تصبح المعاملة محل تدقيق؟
تزداد الحاجة إلى التدقيق عندما تكون هناك معاملة بين النادي وجهة مرتبطة به، أو عندما تتحمل جهة خارجية تكلفة مرتبطة باللاعب، أو عندما تكون القيمة المالية للاتفاق بعيدة بصورة واضحة عن القيمة التجارية المتوقعة.
وهنا يصبح مفهوم القيمة السوقية العادلة – Fair Market Value عنصرًا مهمًا في تقييم بعض المعاملات.
فإذا كانت الصفقة التجارية حقيقية، والخدمة موجودة، والقيمة تتناسب مع السوق، وتم التفاوض عليها بصورة مستقلة، فإن وجودها لا يمثل في حد ذاته مشكلة.
أما إذا كشفت المستندات أن الشكل التجاري لا يعكس الحقيقة الاقتصادية للمعاملة، فهنا يمكن أن تصبح الصفقة محل فحص من الجهات المختصة وفق اللوائح المعمول بها.
مانشستر سيتي.. مثال على أهمية الشفافية
برزت هذه المسألة بصورة كبيرة في الملف المالي الخاص بـ مانشستر سيتي، حيث تناولت إجراءات الدوري الإنجليزي الممتاز عددًا من المعاملات التجارية والأطراف المرتبطة بالنادي.
وفي مثل هذه القضايا، لا يكون السؤال الرقابي هو مجرد: «هل يوجد عقد رعاية؟»، وإنما يمتد إلى طبيعة المعاملة وقيمتها ومصدر التمويل والعلاقة بين الأطراف ومدى توافقها مع القواعد المالية.
وهنا يجب التأكيد على نقطة مهمة: لا يجوز تعميم نتائج قضية أو قرار يخص نادياً معينًا على أندية أخرى لمجرد وجود عقود تجارية لديها.
لكل حالة مستنداتها ووقائعها وأطرافها وقواعدها التي تحكمها.
حقوق الصورة.. نشاط تجاري أم جزء من تكلفة اللاعب؟
حقوق الصورة يمكن أن تمثل نشاطًا تجاريًا مشروعًا ومستقلًا عن راتب اللاعب، خصوصًا عندما يقدم اللاعب خدمات إعلانية أو ترويجية حقيقية.
لكن اللوائح المالية قد تنظر إلى بعض المدفوعات التي يحصل عليها اللاعب من أطراف أخرى باعتبارها جزءًا من تكلفة اللاعب إذا كانت مرتبطة اقتصاديًا بعلاقته بالنادي، وفق الشروط والقواعد المطبقة.
ولهذا لا يكفي أن تحمل المعاملة عنوان «حقوق صورة» أو «رعاية».
المهم هو طبيعة الاتفاق وما تم تنفيذه فعليًا.
وماذا عن الأندية المصرية؟
عند الحديث عن أي نادٍ مصري، بما في ذلك الأهلي أو الزمالك أو غيرهما، فإن وجود عقود تجارية أو اتفاقات لحقوق الصورة لا يمثل وحده دليلًا على وجود مخالفة.
والأسئلة المهنية التي يمكن طرحها هي:
من أطراف العقد؟
ما الخدمة التي يقدمها اللاعب؟
ما القيمة المالية للاتفاق؟
هل تتناسب مع القيمة السوقية للخدمة؟
هل توجد علاقة بين الشركة والنادي أو أي من الأطراف؟
هل تم التفاوض على العقد بصورة مستقلة؟
وهل تم تسجيل المعاملة وفق القواعد واللوائح المالية المطبقة؟
هذه أسئلة رقابية وإدارية مشروعة، لكن الإجابة عنها تحتاج إلى مستندات وعقود وبيانات مالية يمكن التحقق منها.
بين الرعاية المشروعة والمخالفة
يمكن تبسيط الصورة في نقطتين:
العقد التجاري المشروع:
خدمة حقيقية
⬇️
قيمة مالية منطقية
⬇️
أطراف واضحة
⬇️
تفاوض مستقل
⬇️
تنفيذ فعلي وشفافية مالية
أما المعاملة التي تستدعي التدقيق فتكون عندما تظهر مؤشرات مثل:
قيمة غير متناسبة
⬇️
علاقة غير واضحة بين الأطراف
⬇️
غياب الخدمة التجارية الفعلية
⬇️
أو وجود ترتيبات مالية تحتاج إلى تفسير وفق اللوائح
وهنا يكون دور الجهات المختصة هو فحص المستندات وتحديد مدى الالتزام بالقواعد.
الخلاصة
العقود التجارية ليست مشكلة في حد ذاتها، بل هي جزء طبيعي من اقتصاد كرة القدم الحديثة.
لكن مع زيادة قيمة الصفقات وتشعب العلاقات بين الأندية والرعاة والشركات، أصبحت الشفافية والقيمة السوقية العادلة والاستقلال في التفاوض عناصر أساسية لحماية المنافسة الرياضية والنزاهة المالية.
لذلك فإن السؤال المهني لا يجب أن يكون:
«هل يوجد عقد تجاري؟»
بل:
«ما طبيعة العقد؟ وما الخدمة التي يقدمها؟ وما قيمته الحقيقية؟ ومن أطرافه؟ وهل تعكس المعاملة الحقيقة الاقتصادية لها؟»
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الحوكمة المالية في كرة القدم، لأن العبرة ليست باسم العقد، وإنما بحقيقة المعاملة وما تثبته المستندات واللوائح.












