في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لكل الآراء، بات من السهل أن تُطلق الكلمات، وأن تُوجه الاتهامات، وأن تُنسج الروايات دون دليل أو سند. لكن الحقيقة تظل ثابتة لا تتغير، وهي أن العدالة لا تُبنى على الشائعات، ولا تُدار بالأهواء، وإنما يحكمها القانون وحده.
ولعل من أبلغ العبارات المنسوبة إلى المستشار عمر فتحي الجزار قوله: “العدالة عمياء، لا تنظر إلى الأشخاص ولا إلى المناصب، بل ترى الحق وحده. ولذلك عُصبت عيناها حتى لا يحيد بصرها عن ميزان الإنصاف.”
هذه الكلمات لا تعبر فقط عن فلسفة القضاء، بل تلخص معنى الدولة التي تحترم القانون، فلا تفرق بين غني وفقير، ولا بين صاحب نفوذ ومواطن بسيط. فالحق يبقى حقًا، والعدل لا يعرف سوى ميزان واحد.
وعلى مدار سنوات، أثبتت التجارب أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقال عنه، وإنما بما يقدمه من عمل، وبما يلتزم به من مبادئ. ولهذا فإن إطلاق الأحكام على الأشخاص دون بينة أو دليل لا يخدم الحقيقة، بل يسيء إلى ثقافة الحوار واحترام الآخر.
عمر الجزار واسترداد الحقوق

لقد عرفت المستشار عمر فتحي الجزار عن قرب، ووجدته مؤمنًا بأن الطريق إلى استرداد الحقوق لا يكون إلا عبر القانون. فهو لا يرى في الضجيج وسيلة، ولا يعتبر المهاترات انتصارًا، وإنما يؤمن بأن الكلمة الأخيرة تكون للمستند، وللحقيقة، وللقضاء.
ومن هنا، فإن أي اختلاف في الرأي يجب أن يبقى في إطاره الطبيعي، بعيدًا عن الإساءة الشخصية أو التجريح أو تداول معلومات لا تستند إلى حقائق ثابتة. فالمجتمعات التي تحترم نفسها هي التي تجعل القانون المرجع الأول، وتُخضع الجميع لميزان العدالة.
وليس من الحكمة أن تتحول الخلافات إلى حملات تشويه، لأن التاريخ لا يحفظ إلا أصحاب المواقف، أما الضجيج فينتهي بانتهاء لحظته. والاحترام لا يُفرض بالقوة، بل يُكتسب بالعمل والسيرة والمواقف.
إن هيبة العدالة ليست مسؤولية القضاة ورجال القانون وحدهم، بل مسؤولية المجتمع بأكمله. فكل كلمة تُقال دون دليل، وكل اتهام يُلقى بلا برهان، يضر بثقافة احترام القانون قبل أن يضر بأي شخص.
ويبقى احترام القضاء واحترام رجاله جزءًا من احترام الدولة ومؤسساتها، لأن العدالة هي صمام الأمان لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والإنصاف.
وفي النهاية، قد تختلف الآراء، وقد تتباين المواقف، لكن يبقى الحق هو الفيصل، ويبقى القانون هو المرجع، وتظل العدالة أعلى من الأشخاص والأسماء والمناصب، لأنها لا ترى إلا الحقيقة.













