في كرة القدم المصرية، أصبحنا أحيانًا نعيش مع مشكلة غريبة جدًا؛ أن يقول شخص كلمة إيجابية عن الأهلي، فتبدأ الأسئلة: لماذا قالها؟ ولمن يوجهها؟ وهل هي مجاملة؟ وهل وراءها موقف؟
وكأن الاعتراف بنجاح المنافس أصبح جريمة، وكأن قوة فريق لا يمكن أن تكون حقيقة إلا إذا اتفق الجميع على إنكارها.
وهنا تحديدًا تأتي تصريحات كامل أبو علي، رئيس النادي المصري، عندما تحدث عن الأهلي ووصفه بأنه «الكبير بتاعنا»، مؤكدًا في الوقت نفسه رفضه للتعصب الأعمى، ومشددًا على علاقته الطيبة بالكابتن محمود الخطيب.
التصريح، في رأيي، واضح جدًا.
رئيس النادي المصري لم يعلن انتماءً جديدًا، ولم يتخلَّ عن ناديه، ولم يوجه إساءة إلى جماهير بورسعيد
هو تحدث عن الروح الرياضية، وعن ضرورة أن تكون المنافسة داخل الملعب، وأن تبقى العلاقات بين الأندية قائمة على الاحترام مهما كانت قوة المنافسة.
وهذا الكلام تحديدًا يستحق أن نتوقف أمامه.
لأن العلاقة بين الأهلي والمصري ليست علاقة عادية، والتاريخ بين الناديين يحمل واحدًا من أصعب فصول الكرة المصرية.
أحداث استاد بورسعيد تركت جرحًا عميقًا، وراح ضحيتها 72 من شباب الأهلي، ومنذ ذلك الحين أصبحت مواجهات الفريقين مرتبطة بأجواء استثنائية وإجراءات مختلفة، وما زالت آثار تلك الأزمة موجودة في المشهد الكروي حتى الآن.
وبالتالي، عندما يخرج رئيس النادي المصري ويتحدث عن تهدئة الأجواء وفتح صفحة جديدة، فالأصل أن نتعامل مع الأمر باعتباره محاولة إيجابية، حتى لو كانت الطريق إلى عودة العلاقات لطبيعتها طويلة وتحتاج إلى وقت.
لكن الغريب أن البعض قرر أن يرى في التصريحات مشكلة بدلًا من أن يرى فيها فرصة.
فبدلًا من مناقشة فكرة نبذ التعصب، تحول الحديث إلى اتهامات بالتملق والمجاملة والولاء للأهلي.
وهنا أسأل بكل بساطة:
كامل أبو علي قال إيه غلط؟
هل الاعتراف بأن الأهلي نادٍ كبير أصبح أمرًا ممنوعًا؟
هل يمكن أن تكون مصراويًا وتحترم الأهلي في الوقت نفسه؟
بالطبع يمكن.
بل إن احترام المنافس الحقيقي لا يقلل من قيمة ناديك، وإنما يؤكد أنك تعرف حجم المنافسة التي تخوضها.
الأهلي لم يصبح كبيرًا لأن كامل أبو علي قال ذلك، ولن تتغير مكانته إذا قرر شخص آخر رفض الاعتراف بها.
الأهلي لديه تاريخ يتحدث عنه.
بطولات محلية وقارية، جماهيرية ضخمة، حضور مستمر، وأجيال متعاقبة حافظت على مكانته كواحد من أكبر أندية القارة.
وهذه ليست مسألة انتماء.
قد تختلف مع الأهلي في قراراته، وقد تنتقد إدارته، وقد تتمنى خسارته أمام فريقك، وهذا كله طبيعي في كرة القدم.
لكن أن تتحول المنافسة إلى محاولة لإنكار كل ما حققه المنافس، فهذا ليس تعصبًا رياضيًا، بل خروج عن معنى المنافسة نفسها.
والأغرب أن بعض من يرفضون الاعتراف بمكانة الأهلي سبق لهم الحديث عن أسباب نجاحه، وعن قدرته على استثمار المواهب وبناء فرق قوية والحفاظ على حضوره في البطولات.
فلماذا يصبح الكلام عن نجاح الأهلي مقبولًا عندما يخدم وجهة نظر معينة، ثم يتحول إلى «تملق» عندما يصدر من رئيس النادي المصري؟
هنا تحديدًا تكمن المشكلة.
المشكلة ليست في تصريح كامل أبو علي

المشكلة في أن هناك من يتعامل مع أي كلمة إيجابية عن الأهلي باعتبارها تهديدًا لمكانته أو انتقاصًا من قيمة ناديه.
وهذا فهم خاطئ للرياضة.
نجاح الأهلي لا يلغي تاريخ المصري.
وقوة الزمالك لا تلغي قيمة الأهلي.
وتاريخ الإسماعيلي لا يحتاج إلى إنكار تاريخ الآخرين.
كل نادٍ له جماهيره وتاريخه وإنجازاته، لكن الاعتراف بحقيقة تخص منافسًا لا يعني أبدًا التنازل عن تاريخ ناديك.
النقد حق للجميع.. لكن صناعة المعارك ليست نقدًا
إذا كان هناك اعتراض على تصريحات كامل أبو علي، فليكن النقاش حول التصريحات نفسها.
إذا كان هناك اختلاف مع سياساته، فليتم طرحه بوضوح.
أما تحويل دعوة لنبذ التعصب إلى معركة جديدة مع الأهلي، فهذا لا يخدم الكرة المصرية، ولا يخدم الجماهير، ولا يساعد على تجاوز سنوات من الاحتقان.
نحن في حاجة إلى خطاب مختلف.
خطاب يعترف بأن المنافسة داخل الملعب، وأن الاحترام خارج الملعب.
خطاب لا يعتبر كل كلمة تهدئة ضعفًا، ولا كل إشادة تملقًا، ولا كل اختلاف حربًا.
الأهلي في النهاية لا يحتاج إلى شهادة من أحد.
لا يحتاج إلى كامل أبو علي ليقول إنه كبير، ولا يحتاج إلى غيره ليدافع عن تاريخه.
الأهلي تاريخه هو الذي يتحدث عنه
البطولات تتحدث.
الأرقام تتحدث.
الجماهير تتحدث.
والحضور الأفريقي يتحدث.
أما محاولة صناعة الحضور من خلال مهاجمة الأهلي في كل مناسبة، فلن تغير من الحقائق شيئًا.
الكرة المصرية أكبر من الأشخاص، وأكبر من التصريحات، وأكبر من تصفية الحسابات.
وإذا كان هناك بالفعل من يريد الخير للكرة المصرية، فليكن أول هدف له هو تقليل التعصب، لا إعادة إنتاجه.
كامل أبو علي تحدث عن صفحة جديدة.
والأفضل أن نساعد على فتحها، بدلًا من البحث عن سبب لإغلاقها.
لأننا في النهاية نريد كرة قدم فيها منافسة شرسة داخل الملعب، لكن احترام متبادل خارجه.
أما الأهلي، فسيبقى كبيرًا بتاريخه وإنجازاته وجماهيره.. وليس بحاجة إلى أحد يمنحه شهادة بذلك.













