لم يعد مقبولًا أن تظل قيادة منتخب مصر الأول لكرة القدم ساحة للتجارب والاجتهادات، أو أن نتعامل مع منصب المدير الفني للفراعنة باعتباره فرصة لمنح المدربين خبرات جديدة على حساب تاريخ واسم منتخب بحجم مصر.
ففي ظل الأنباء المتداولة عن الاستقرار على إنهاء تجربة حسام حسن، وتأجيل الإعلان الرسمي عن القرار لحين حسم ملف المدير الفني الجديد، تبدو الساعات المقبلة مهمة في تحديد مستقبل الجهاز الفني للمنتخب، خاصة مع وجود اتجاهين داخل اتحاد الكرة؛ الأول يتمثل في التعاقد مع مدرب عالمي يمتلك سيرة ذاتية قوية وإنجازات حقيقية، والثاني إسناد المهمة مؤقتًا إلى مدرب مصري لقيادة المنتخب خلال مباراتي مالاوي، لحين الاستقرار على الاسم الذي سيتولى المسؤولية في المرحلة المقبلة.
والأهم هنا ألا نكرر الأخطاء نفسها، وألا نختار مدربًا لمجرد امتلاكه اسمًا معروفًا أو تجربة محلية ناجحة، وإنما يجب أن تكون هناك معايير واضحة للاختيار، في مقدمتها امتلاك سجل حقيقي من البطولات القارية والإنجازات الدولية، والقدرة على المنافسة في البطولات الكبرى، والوصول إلى المراحل المتقدمة في كأس العالم، سواء على مستوى المنتخب الأول أو المنتخبات الأولمبية.
شوقي غريب.. صاحب الإنجاز المونديالي

وعلى المستوى المحلي، يبرز اسم الكابتن شوقي غريب باعتباره أحد المدربين الذين يمتلكون سجلًا موثقًا من الإنجازات مع المنتخبات الوطنية.
فقد قاد منتخب الشباب للحصول على المركز الثالث والميدالية البرونزية في كأس العالم بالأرجنتين عام 2001، في إنجاز تاريخي للكرة المصرية، وحقق نتائج مميزة خلال البطولة، كما كان أحد أفراد الجهاز الفني للمنتخب الأول بقيادة حسن شحاتة، الذي توج بثلاث بطولات متتالية لكأس الأمم الأفريقية أعوام 2006 و2008 و2010.
ولم تتوقف إنجازات غريب عند هذا الحد، بل قاد المنتخب الأولمبي للفوز ببطولة كأس الأمم الأفريقية تحت 23 عامًا عام 2019، والتأهل إلى أولمبياد طوكيو 2020.
هذه السيرة تضع شوقي غريب ضمن الأسماء التي تستحق الدراسة عند البحث عن مدرب مصري يمتلك خبرة المنتخبات والبطولات، بعيدًا عن الاختيارات العشوائية.
روجيه ميكالي.. تجربة تستحق التقييم
وعلى الجانب الآخر، يبرز اسم البرازيلي روجيريو ميكالي، الذي يمتلك تجربة دولية مهمة، بعدما قاد منتخب البرازيل الأولمبي للفوز بذهبية دورة ريو دي جانيرو 2016، كما تولى قيادة المنتخب الأولمبي المصري في أولمبياد باريس 2024، ونجح في الوصول به إلى المركز الرابع.
وقدم المنتخب المصري تحت قيادته مستويات لافتة، وحقق انتصارات مهمة، من بينها الفوز على إسبانيا، قبل أن تتوقف رحلته عند الدور نصف النهائي.
وبالتالي فإن الحديث عن مدرب أجنبي يجب أن يرتبط بسجل الإنجازات والقدرة على بناء فريق قادر على المنافسة، وليس بمجرد جنسية أوروبية أو لاتينية أو اسم لامع في عالم التدريب.
لا للتجارب على حساب منتخب مصر

أما الأسماء المحلية الأخرى المطروحة، مثل علي ماهر وحسام البدري والرمادي، فلكل منهم تاريخه وتجربته التي تستحق الاحترام والتقييم، لكن قيادة المنتخب الأول تحتاج إلى مشروع واضح ومعايير محددة، وليس مجرد منح الفرصة لمدرب لمجرد نجاحه في تجربة محلية.
ومن الضروري أن تكون هناك مراحل طبيعية لصناعة المدربين، تبدأ بإثبات القدرة على المنافسة وتحقيق البطولات مع الأندية أو المنتخبات السنية، قبل الانتقال إلى المسؤولية الأكبر، وهي قيادة منتخب مصر الأول.
لقد دفع المنتخب الوطني ثمن سنوات طويلة من عدم الاستقرار وتغيير الأجهزة الفنية وغياب المشروع الواضح، وكان من بين أبرز ضحايا هذه المرحلة النجم العالمي محمد صلاح، الذي يستحق أن يلعب مع منتخب ينافس على البطولات الكبرى، وليس أن تنتهي سنوات عطائه الدولية دون تحقيق حلم التتويج بكأس الأمم الأفريقية.
ولا يمكن تجاهل علامات الاستفهام التي صاحبت أداء المنتخب في بعض المواجهات الكبرى، ومنها الخروج أمام الأرجنتين بنتيجة 3-2 في دور الـ16 من كأس العالم 2026، رغم تقدم الفراعنة بهدفين، وهي نتيجة تفتح الباب أمام مراجعة فنية شاملة، بعيدًا عن تحميل المسؤولية لشخص واحد أو الاكتفاء بتبرير النتائج.
منتخب مصر أكبر من حسابات الأندية

المشكلة الحقيقية أن البعض يتعامل مع منتخب مصر بمنطق الانتماءات والحسابات الخاصة بالأندية، وكأن نجاح الأهلي أو الزمالك أو أي نادٍ آخر أهم من نجاح المنتخب الوطني.
فالأندية لها إداراتها وجماهيرها وطموحاتها، ومن حق كل نادٍ أن يضع الشروط التي يراها مناسبة لاختيار مدربه، لكن عندما يتعلق الأمر بمنتخب مصر، يجب أن تتغير الحسابات تمامًا، وأن يكون المعيار الوحيد هو مصلحة الكرة المصرية.
لا يجوز أن يتحول المنتخب إلى حقل تجارب، ولا أن تكون كل مرحلة فرصة لاختبار مدرب جديد، ثم نبدأ من الصفر مع كل إخفاق.
الحلم ليس مستحيلًا
نحن لا نطلب المستحيل، وإنما نريد منتخبًا يمتلك مشروعًا فنيًا وإداريًا واضحًا، هدفه المنافسة على بطولة كأس الأمم الأفريقية، والوصول إلى المربع الذهبي في كأس العالم، أسوة بما حققه المنتخب المغربي من إنجاز تاريخي في مونديال قطر 2022.
مصر بتاريخها وإمكاناتها وجماهيرها تستحق أكثر من مجرد التأهل والمشاركة، وتستحق أن تعود إلى منصات التتويج الأفريقية، وأن تكون لها كلمة في أكبر المحافل العالمية.
والرسالة إلى اتحاد الكرة واضحة: اختاروا مدربًا بحجم طموحات المصريين، وضعوا معايير حقيقية للاختيار، ولا تجعلوا حسابات الأندية أو المجاملات تتحكم في مصير المنتخب.
منتخب مصر ليس ملكًا لاتحاد الكرة أو نادٍ أو مجموعة من الأشخاص.. منتخب مصر ملك لكل المصريين، وحق جماهيره أن تحلم بالبطولات، وحق محمد صلاح أن يجد منتخبًا يساعده على كتابة نهاية تليق بمسيرته الاستثنائية.













